
مقدمة
“البؤس ليس جزءا من تاريخ الأوبئة، فهو لا يشتمل على ما يكفي من الميكروبات لكي يُصنّف ضمنها… إنّ تاريخ الأوبئة يرويه الأطباء، أمّا تاريخ البؤس فيحكي تفاصيله الرواة“. جيروم برونير
إِنَّ السّردَ وحدَه يَجعلُ الإنسانَ قادراً على العيْشِ خَارِج مَدارَاتِ ذَاتِه، فهو الذي يُـمَكِّنهُ من صَبِّ مُجمَلِ انْفعالاتِه ومواقِفِه في هُويَّاتٍ بدِيلَةٍ تَتَبلْورُ ضمنَ تخييلٍ مُوجّهٍ إلى بناءِ نصٍّ مُكتَفٍ بذاتِه. وهذا ما يَجعلهُ وسِيلَةً من أجلِ الاحْتماءِ بالذّاكرةِ ووسِيلةً لمُواجَهةِ الآتِي أيْضًا. إِنَّه الذَّهَابُ إِلى الماضِي من أَجْل عَودَةٍ آمنةٍ إلى الحاضِرِ. إنّه بذلك يَـمْنَحُ الحيَاةَ مَعْنى، إنّه يُعيدُ بِناءَ ما وقعَ، أو ما يُفتَرَضُ أَنَّه وقعَ، ضِمْن مُمكنَاتِ التَّخْييلِ. وبذَلك صُنِّفَ ضِمْن “المحْتمَلِ”، فهو لا يَبحَثُ عن “حَقِيقَةٍ”، وإِنّمَا يَتَساءَلُ عن شُرُوطِ بنائِهَا. إنّ المـحْكِيَّاتِ لا تُحدّثُنَا عن أشياءَ ألفناها في واقِعِنا، بل تُوجّهنا إلى تلمّسِ مَوقعِها داخلَ التَّجْربةِ الإنْسانيَّةِ، أيْ إلى معانِيهَا. إنّنا نكتشفُ “حقائق” وجودِنا استنادا إلى ما تُقدّمه استيهاماتُ التّخييِل.
وتلكَ إشارةٌ إلى أنّنا لا نَهرَبُ إلى السّردِ من واقعٍ يَستَعْصِي على الضَّبطِ، بل نُحَاوِلُ تَصحِيحَ تَفاصيلِه، أو نَفعلُ ذلك رغبةً في التحكُّمِ في بعضِ مَصائِره، فقد لا يَتمكّنُ الرّوائيُّ من وقائِعهِ إِلَّا عِنْدمَا يَتخلَّصُ من هواجِسِ الواقعيّةِ داخِلَه. لِذَلك كَانَت كلُّ الشَّخْصيَّاتِ الرّوائيَّةِ، أو جُلُّها، مُسْتوْحاةً من مُمكنَاتِ الذّاتِ التي تَكتُبُ أو تَرْوي، أكثرَ ممّا هي مُستعارةٌ من واقعٍ فِعْليٍّ. “فالرّوايةُ، في جميعِ الحالاتِ، ليستْ بوْحاً خاصّاً يُوضَعُ على لسَانِ الرّوائيِّ، بل هي استكشافٌ للحَياةِ الإنسانيّةِ كما تُعاشُ في العالَمِ”[1]. إنّ مضافاتِ الذّاكرةِ كانت دائماً أقوى وأوسعَ من حقيقةِ ما وقع فعلاً. وبذلك كانَ السَّردُ، في كلِّ تجليّاتِه، “أداةَ توسُّطٍ مُثْلى بين الحياةِ والموتِ”[2].
استناداً إلى ذلك، لنْ يكونَ النّشاطُ القصَصِيُّ استِنْساخاً لِواقعٍ مَحدُودٍ، أو مجرّدَ محاكاةٍ له، إنّه، على العكسِ من ذلك، ما يَستجْلي مَكامنه. فخطابُ السَّردِ لا يَكتَفي بإنْتاجِ مَعْنى حَوْل الحياةِ، إنّه قد يُشكِّكُ أو يُعيدُ صِياغَةَ ما ألِفَه النّاسُ من المعانيِ في حَياتِهم أيضاً. وهذا ما يَجعلُ الحُدودَ واهيّةً بَيْن التَّخْييلِ والواقعِ، “فالحياةُ هي التي تُحاكي عوالمَ التّخْييلِ”[3]، فنحنُ نَأتِي إلى الوُجودِ ضِمْنَ ما خُزِّنَ في الذّاكرةِ الجماعيّةِ، أو ما استَبْطَنَه الفردُ في غَفلةٍ منْه. يتمُّ ذلك في غالبِ الأحيانِ من خلالِ ما يَأتي من تَمثيلٍ تخييليٍّ للوُجودِ قد لا تُصبِحُ الحياةُ مُحتمَلةً دونَ الاستِعانَةِ بعوالمِه. إنّ التّخييلَ السّرديَّ، وَفق ذلك، ليس انزِياحاً عن واقعٍ لا رادَّ لحقائِقِه، بل هو ما يُغطِّي على الكَثيرِ من أشْكالِ الخصَاصِ فيه. فنحْن لا نَتَعرَّف على الواقعِ بِشَكلٍ مُبَاشِرٍ، إِنَّنا نَفعَلُ ذَلِك استناداً إلى الحِكاياتِ التي تَصِفُ بعضَ مَعالمِه.
وهي صيغةٌ أخرى للقولِ، إنَّ السّردَ، مَثَلُه في ذلك مثلُ كلِّ ضُروبِ الفنِّ، يدفَعُنا إلى اكتِشافِ ما أصبَحَ مألوفاً لديْنا. فالتَّخييلُ السّرديُّ يَنطَلِقُ ممّا يقتَضيه عيشٌ يَوميٌّ هو شرْطُ بقائِنا على الأرضِ، فالإبداعُ لا يتِمُّ من عدمٍ، “ولكنّه يَذهَبُ بِنَا إِلى الـمُمْكِن، أي إلى مَا يُحْتَملُ أنْ يَقَعَ أو مَا كان من المحتملِ أنْ يكونَ، أو ما قد يَحدُثُ اسْتقْبالاً”[4]. إنّ أصالَتَه ليستْ مستمدّةً من “غرابَةِ” العوالمِ التي يَقومُ بتَمْثيلِها، إنّها في واقعِ الأمرِ تُقاسُ بقُدرتِهِ على العوْدةِ بالذّاتِ إلى شرْطِها الواقِعيِّ، “فحتّى عندَما نخلُقُ عوالمَ مُمكنةً في التّخييلِ، فإنّنا لا نُغادِرُ أبداً الكونَ المألوفَ لديْنا”[5]. فالنّاسُ ميالون إلى ما تأتي به عوالمِ المحكيّاتِ أكثرَ مما يَستهويهِم الخبَرُ أو المعلومةُ.
وتلك هي إواليّاتُ التّمثيلِ، فالذِّهْنُ لا يستطيعُ ابتِكارَ عوالمه إِلَّا استناداً إلى ما يُمكنُ أن يُوَازيها في التَّجْربةِ الواقعيَّةِ، بِالحقيقَةِ والـمَجازِ. فالطِّفْلُ في سنَتيْه الأولَتينِ لا يُحَاكِي نَماذِجَ مُجَرّدَةً، وإنّما يُعيدُ تَمثِيلَ مَا تَرَاه عَيْناهُ في جوارِه، ما كان يُسمّيه جان بياجي “المحاكاةُ المؤجّلةُ”، وهي عندَه لحظةٌ هامّةٌ ضِمن سُلميَّةِ “الوظيفَةِ السميائيّةِ”[6] التي تشملُ اللّعب الرمزيَّ والرسمَ والصّور الذهنيّة أيضاً. وبذلكَ كانَ السّردُ جزءاً من لُعبةِ الأقنِعَةِ التي تُغطّي على ما خَفي أو على ما فاضَ عن حُضورٍنا في الفضاء العموميِّ، إنّه الرّغبةُ الكرنفاليّةُ في التّنكُّر، أو هو رغبةٌ في تقمُّصِ أدوارٍ نودُّ القيامَ بها، وهو أيضاً الفاصِلُ بين الكذِبِ “الحقيقيِّ” والواقِعيِّ “المزيّفِ”. إنّه في جميعِ الحالاتِ، تَـمْثيلٌ “مشخّصٌ” لما قد تَعيشُهُ الذّاتُ في شَكلِ مَفاهيمَ صامتَةٍ.
وتلك خصّيصةٌ من خصّيصاتِ السّردِ، إنّ عوالمَ التّخييلِ فيه لا تَقولُ الحقيقةَ، ولكنّها لا تَكذِبُ أيضاً، إنّها تَصِفُ حدودَ الحياةِ كما يَعيشُها النّاسُ، دون الاكتراثِ بصِدْقِ الوقائِعِ أو زيْفِها. إنّ السّردَ فيها يُقدِّمُ لنا عوالمَ نَستَوطِنُها في الحُلُمِ والاستيهامِ والرّغَباتِ الغامِضَةِ. وهذا معناهُ أنّ حقائقَ التّخييلِ أشدُّ تأثيراً من حقائِقِ الواقعِ. “إنّ التّاريخَ شبيهٌ بما يَحكيهِ أوجين سو Sue [7]، أكثرَ ممّا هو شبيهٌ بما كان يَودُّ هيجل قولَه”[8]. لذلك “لم يكنِ المحكيُّ معنياً أبداً بمَقاصِدِه”[9].
إنّ الروائيَّ، وفقَ ذلك، “لا يُعيدُ الحياةَ للواقعيِّ، إنّه يَبعثُ الحياةَ في الـمُمْكِنِ”[10]. قد يُشكّلُ ذلك محاولةً للمُصالحَةِ “بين الواقعيِّ في التّاريخِ وبين اللاواقعيِّ في التّخْييلِ”[11]، أو قد يَكونُ محاولةً نَتعلَّمُ من خلالِها كيف نَكتَشِفُ بَداهاتِ وجودِنا في مَعيشٍ قلّما يَلتفِتُ النّاسُ إلى البَداهِيِّ فيه. إنّ التّخييلَ، في الحالتَين معاً، يُنبِّهُنا إلى ما نَسينَاهُ أو تَناسيْناهُ أو ما لم نُدركْ وجودَه أبداً. وتلكَ إحْدَى وظائفِ السّردِ الرّئيسَةِ، إنّه يَستَعينُ بالكَثيرِ من “أكاذِيبِ الواقِعِ” من أجلِ بناءِ “حقيقَةٍ تخييليّةٍ” هي ما يَستَهوِي عامّةَ النّاسِ وخاصّتَهم. فالمحكيُّ التّخييليُّ هو سبيلُهم الوحيدُ، في الكثيرِ من الحالاتِ، للحَديثِ عن أشياء “حقيقيَّةٍ” أو يَعتقدونَ أنّها حقيقيّةٌ.
وذاك ما يُضاعِفُ من حجْمِ الزّمنيّةِ في الوجودِ، فالزّمنُ واحدٌ في ذاتِه، ولكنّه متعدِّدٌ في الوَعيِ الذي يُجسّدُه في الفعلِ. وتلْك هِي الرَّوابطُ، الخفيةُ والصَّريحةُ، بَيْن السَّرْد وبيْن شَرْط الإنْسانِ في الزّمنِ. فقَدَرُ الإنسانِ أنّه مُوجّهٌ إلى أمامٍ لا يتوقّفُ أبداً، إنّه وُضِعَ ضمنَ زمنيّةٍ هي جوهرُ كيْنونَتِه. لذلك لا وجودَ لمحْكيٍّ خارجَ نظامِ الزّمنِ، فدَاخلَه تُقاسُ الحالاتُ وتحوّلاتُها، وداخلَه يتِمُّ الحكمُ عليها أيضاً. إنّه بذلك طريقةٌ في استِيعابِ زمنٍ “خَارجِيٍّ” لا يُمْكِن أنْ يُصبِحَ مرئيّاً إلّا عندما يَتمُّ تشْخيصُهُ في خبرةٍ تتَّخذُ شكلَ وقائعَ ملموسَةٍ. لقد وُلِدَ الدازاين[12] لكيْ يموتَ، وبذلك لا يَستطيعُ ردَّ قضاءِ الرّاهنِ والآتي، إنّه لا يَتحكّمُ في أشكالِ القَلقِ الذي يُحرِّكُه إلّا بالانغِماسِ في سرديّاتِ وجودِه، إنّها وحدَها تملِكُ القدرةَ على ترْويضِ زمنٍ لا يَستطيعُ خلاصاً منه. إنّ السّردَ، على غرارِ كُلِّ العلاماتِ، أداةُ توسُّطٍ بين الذّاتِ وعالـمِها.
وبذلك كان السّردُ احتفاءً بالزّمنِ. إِنّه “يُدْرِجُ سلوكَ النّاسِ ضِمْن زَمَنيَّةٍ هي الشَّاهدُ الوحِيدُ على وُجُودِ تجربةٍ إِنْسانيَّةٍ قَابِلةٍ لِلتَّبْليغ”[13]. وقد يَكونُ هذا هو مَصدرَ التّداخُلِ بين أنماطِ السّردِ المتنوِّعةِ: ما يَأتي من الرّواياتِ والنّوادرِ والمسرحِ، وما يَأتي منَ التّاريخِ والسيَرِ الذاتيّةِ والغيريّةِ، وما يُودعُ في المثَلِ السَّائر والحِكَمِ والـمُزْحةِ العابِرةِ. إنّه إحْدَى تجليّاتِ الكيْنونَةِ، “فتَشكُّلُها تَزامَنَ مع تَشكُّلِ المعنَى”[14]، والمعنَى تَنظيمٌ وترتيبٌ وفصلٌ بين السّابقِ واللّاحقِ في الوقائِعِ. فعلَى “هوامِشِ “الزّمنيّةِ الموضوعيّةِ”، أو ضدّاً عليها، تَطَوَّرتْ زمنيّاتٌ أخرى تمكّنَ من خلالِها الإنسانُ من استِعادةِ ما نَسيَهُ وما سُلبِ منه أو ما ضَاعَ في تَفاصيلِ المعيشِ اليوميِّ، أو ما صادَرتْه السّلطةُ”[15].
ومع ذلك لن تكونَ الحكاياتُ شرطاً لتَعميمِ مَضامينَ تُوحِّدُ بين النّاسِ، فالمضامينُ من طبيعةٍ ثقافيّةٍ. إنّها تُولدُ ضِمنَ سيَاقاتِ العيْشِ وضمنَ سياقاتِ الدّينِ والإيديولوجيا والكثيرِ من مُخلّفاتِ العِرْقِ والمذاهبِ، كما تسرّبتْ إلى المِخْيالِ الفرديِّ والجماعيِّ. إنّ الحكاياتِ أشكالٌ حاضِنَةٌ للمَضامينِ فقط. ذلك أنّ الوجودَ الحقيقيَّ لهذه المضامينِ مُودَعٌ في إِمكَان تَحَقُّقهَا ضِمْنَ وضعيّاتٍ إنسانيّةٍ مخصوصَةٍ، لا في طَابعِها الـمُجرّدِ. إنّ حكاياتِ الفرنْسيِّين مع الضّفادِعِ معروفةٌ، وحكاياتُ الصّينيّينَ مع الأفاعي معروفةٌ أيضاً. ولكنّ حكاياتِنا مع كرْشِ الخروفِ وأمعائِه ورأسِه وحوافرِه معروفةٌ أيضاً. تصفُ حكاياتُ الآخرينَ في تصوُّرِنا سلوكاً “همجيّاً” يَحُطُّ من قيمةِ الإنسانِ، أمّا حكاياتُنا فهي جُزءٌ من سلوكٍ غذائيٍّ “طبيعيٍّ”. والحاصِلُ، إنّ نمطَ سردِ الوقائِعِ في الحكاياتِ هو ما يُشكِّلُ حقّاً “حدَثاً” في التّاريخِ.
ووفق ذلك سيكون السّردُ هو مَا يُمَكِّن النّاسَ من التَّصَرُّفِ في الزَّمنِ لكي يُصبِحَ حاضنًا لِتجْرِبةٍ تُقَاسُ على دَفْقِه وانْتشاره في لَحَظاتٍ دَالَّةٍ على التَّقَدُّمِ والنُّكوصِ، أو تكونُ دالّةً على التّيْهِ والضّياع أيضاً. إنّه وَسيلتُهم في تَعمِيم مَا يَعيشُه الفرْدُ وحدَه، ولكنّهُ لا يُمكنُ أنْ يحْتَفي بِه إلا ضِمْن مَا بلْورَتْه الجَماعةُ. فنحنُ نحيا في الأرْض قِصَّةً وَاحِدةً: قِصَّةَ الحُبِّ والحِقدِ والكراهيّةِ، والـمودَّةِ والرَّحْمةِ، وقصَّةَ النِّضَالِ من أَجْل العزّةِ والعيْشِ الكرِيمِ والدّفاعِ عن وحْدَة الأوْطانِ أو العمَلِ على تَـمْزيقِها، وهي أيضاً قصّةُ الكثيرِ من المعاركِ الصَّغيرةِ التي تُعدُّ جميعُهَا غطاءً لعُمُرِنا الحقيقيِّ أو الافْتراضيِّ. إِنَّنا نَعيشُ هذه القصصَ في لُغَاتِنا، وفي شِعْرنا ونَثرنا وفي منْتجاتِنا اليَدويَّةِ وفي دِيكورِنا، وفي تَدبيرِ شُؤونِ السّفرِ وبرامجِ القُبلةِ وإعْداد الوجَباتِ، وهي أيضاً طَريقتُنا في استِقبالِ الضّيفِ وفي تنظيم طُقوسِنا الاجتماعيّةِ.
وليْس غريبًا أن يَسْعَى الرُّومانْسيُّونَ الأوائلُ إِلى البحْثِ عن الأُصولِ الأُولى لِمحْكيَّات النَّاسِ، أيْ البحْثِ عن الحكايةِ الأُولى التِي تَفرّعَتْ عَنهَا كُلُّ حكاياتِ الكونِ. إِنَّها الرَّغْبةُ ذَاتُها التي دَفعَت بَعضَ اللِّسانيِّين إِلى البحْث عن لِسَانٍ أَصْلٍ منه اشْتُقَّتْ كلٌّ الألسنةِ[16]. يتعلّقُ الأمرُ في الحالتينِ معاً بسبيلٍ نحو العودَةِ إلى الواحدِ المطلقِ، أو هو التّوقُ الدّفينُ الذي يدفعُ النّاسَ إلى استِكشافِ لحظةِ الخلْقِ الأولىَ. إنّ وَضْعَ اليَدِ على الأصْل هو وَضْع اليَدِ على الشَّكْلِ الأوَّلِ للمعنى. ومن أجلِ ذلك كان علينا الدّفع بِالتَّجْريد إِلى حُدودِه القُصوى لكي نُمْسِكَ بِمَا يُوحِّدُ بَيْن جميع النَّاسِ في فضاء الأرضِ وفي متاهاتِ الزّمنِ الكونيّ، مَا يُوحي بِوجودِ نُقطَةٍ لا شيءَ بعدها، إنّها “سِدرةُ المنتَهى” حيثُ جنةُ النّعيمِ أو جَحيمُ المأوى، فتلك هي بؤرةٌ الحياةِ ومنْشَؤُها ومنْتَهاها. إنّ هذه النّقطةَ وحدَها يُمكن أنْ تُحافظَ على التّوازنِ عندنا عبر إسقاطِ حالاتٍ للبدْء والنِّهايةِ داخلَ زَمَنيَّة لا تَتَوقَّف أبداً.
إنّنا نَبنِي من خلالِ شرْطنا السّرديِ هذا قَصصاً ترسُمُ لَنَا مَوقعاً في التّاريخ الاجْتماعيِّ والدِّينيِّ والسِّياسيِّ. يتعلّقُ الأمرُ بجُزْءٍ من هُويَّةٍ تَتَحقَّقُ بالجمْعِ والـمفْردِ في التّاريخِ، وهي الواصِلُ والفاصلُ بَيْن المحَلِّيِّ والكوْنيِّ. إنّ قصَّةَ الإنْسانِ في الأرْضِ واحدةٌ، ولكنّ بداياتِها مُحدّدةٌ في المعتَقَدِ والمذهبِ والإيديولوجيا وأوهامِ “العِرقِ” أيضاً. وقد تُشكّلُ هذه النّزعةُ أقصى درجاتِ العُزلةِ في الوُجودِ (يُسارعُ البعضُ اليومَ إلى الاحتِفاءِ بــحكايةِ “أصلِنا” في هذهِ الأرض، أي بــ “عِرقنِا السّامي” الذي يُميّزنا عن غيرِنا، فنحنُ الشّكلُ الأوّليُّ للحياةِ الإنسانيّةِ في الكونِ). وتلك هي روحُ كُلِّ المعتقداتِ، لَقد أصرَّ الإنسانُ فيها على أنْ يَجِد لَه بِدايةً في الكوْنِ، لقد كانتْ قصّةُ الخلقِ عنده بحثاً عن أبٍ كُلِّيٍّ هو حاصلُ خرقٍ لـمحظورٍ هو عِلّتنا وعلّةُ محكيّاتُنا في الأرضِ.
إنّها الرغبةُ في الإمْساكِ بالأصلِ فيه، وهي الرّغبَةُ في قتْلِه والتمرّدِ على أوامره أيضاً. لقد وُجِدْنا في الحكايةِ منذ بدء خليقَةِ الله في الأرضِ، فالخلْقُ تجلّى في السّردِ، ففي الحكايَةِ وُلدتْ ذاكرتُنا في الزّمنِ. لقد كان قرارُ الاستِخلافِ أو الخطيئةِ في لاوعيِنا بوحاً برغبَةٍ في بناءِ فصولِ قصّةٍ تَدورُ فصولها خارج ملكوت الخلودِ. لذلك لم يكن العصيانُ سوى خرقٍ لمحظورٍ هو أصلُ الحكايةِ، كما هو محدّد في بناء كلّ الخرافاتِ والحكاياتِ العجيبةِ. لم يقْبل آدم بوجودِه في عالمٍ صامِتٍ خالٍ من اللّذات (خال من الأهواءِ)، فعصى ربّه ليدخلَ في الزّمن، فهو وحده حاضنُها. لقد اختارَ السّعيَ في الأرضِ وفيها الفناءُ، عوضَ وجود خاملٍ في الجنّةِ وفيها الخلودُ. لقد كان شبيهاً ” بالفراشِ الذي يَسعى الى النّور وفيه الفناءُ” (عمر الخيام).
وهذا معناه أنَّ القصّةَ هي عصَبُ الوُجودِ، إنّها ما يُحدِّدُ كينونةَ الإنسانِ وكينونَةَ الأشياءِ التي تُحيطُ به. يتعلَّقُ الأمرُ بتوزيعٍ ثُلاثيٍّ يُحدِّدُ ماهيّةَ السّردِ وأنماطَ صياغةِ مادّتِه وما يُحَدّدُ آثارهُ في النّفسِ أيضاً، ما يَشمَلُ “الوقائِعَ الغُفلَ” وما يَعودُ إلى “تَشْخيصِها” وما يَرصُدُ “وقْعَها” في وعْيِ المتلقّي. فنحْن لا نُبرْمِجُ حَيَاتنَا في القَصَصِ، إنّنَا نُولَد داخِلهَا، فهي مَادَّةُ تَشَكُّلِنَا ضمنَ النّسِيجِ الاجْتماعيِّ، وهي هُويَّتُنَا في عَيْن الآخر أيضاً. فنحنُ لا نُدركُ مضمونَ الأشياءِ إلا حين نتخلّصُ من حُضورِها المباشرِ في العيْنِ. وذَاك هُو الحَدُّ الفاصلُ بَيْن مرْجعيَّتِهَا في الواقعِ وبيْن مَعْنَاها في الذِّهْن. الأولى مَحدُودٌةٌ في الوعْي الـمُدْرِك، أَمَّا الثَّاني فَمُمْتَدٌّ في اسْتعْمالاتهَا المجازيَّة.
لذلك كان سرْدُ الحكاياتِ وثيقَ الصِّلَةِ بما توفّره الحياةُ الثّقافيّةُ ومرتبطاً باستِعداداتِنا الفطريّةِ في رِوايةِ حكاياتٍ هي شرطٌ من شروطِ قيامِ رابطٍ اجتماعيٍّ بين النّاسِ. إنّه وسيلةٌ في تَعميمِ المعارفِ والخبراتِ، وهو طريقةٌ أيضاَ في تَصريفِ الأهْواءِ: إنّ النّاسَ لا يتداولونَ في ما مضى من خلالِ المفاهيمِ، بل يتذكّرون حكاياتِهم فيه. كما لا يتعرّفون على شخصٍ ما من خلالِ سجلٍ مدنيٍّ يَضمنُه اسم علمٍ، بل من خلالِ وظيفتِه، أي حكاياتِه في المجتَمع. إنّ مآسي التّاريخِ وأفراحِه ومسرّاته ترويها الحكاياتُ.
لم يكنْ روميو وجولييت سوى صيغةٍ سرديّةٍ للحبِّ عندما يصلُ حدودَه القُصوى ويُصبِحُ هوًى ولوْعَةً ولاعِجاً. ولَم يَكُن أُودِيب في الأسطورةِ سِوى اسْتعارةٍ كُبرَى ضَمَّت في ثناياهَا القدَرَ والكثيرَ من المشاعِرِ المكْبوتَةِ نَحْو الأُمِّ بِالرَّغْبة والامتلاكِ، ونحْو الأَبِ بِالمقْتِ والإقْصاء. فمَا “تَختزِنُه التراجيديّاتُ الكُبرى من تَشوِيقٍ هُو أنَّ أبْطالهَا يتوغَّلون في الهاويّةِ عِوضَ أن يُفْلتوا من قَدَرٍ فظيعٍ، فهُم لا يمْلكوَن أَيَّة فِكْرَة عَمَّا ينْتظرهم”[17]. إنّهم بذلك يُشبهونَنا، فشرطُنا في الواقعِ ليس مختلِفاً عن شَرطِهم في التّخييلِ، فنحنُ أيضاً نُصرِّفُ َأقدارَنا في ما نَرويهِ عن أنْفُسِنا: نتخلّصُ من أهوائِنا بوضْعِها في نكاتٍ أو نوادِرَ عابرةٍ. “لذلك كانتْ حقيقتُنا في التّخييلِ أشدّ غرابةً ممّا نعيشُه في واقِعنا”[18].
وتلْك هِي القُوةُ الضاربةُ للمحكيِّ، “إِنَّه يُمَكِّننَا، اسْتنادًا إِلى طاقتِه الأسْطوريَّة، من إِعطَاء التَّجارب الفرْديَّة مَعْنى عامًا يتجاوزهَا”[19]. لَم يُصْبحْ عَنترَةُ العبسيُّ شَخصِيّةً في التّاريخِ إلّا عندما تَحوَّل في التّخييلِ السّرديِّ إِلى قِصَّة كُبرى تَحكِي آلامَ كُلِّ العاشقينَ الذين حالَ اللَّونُ أو الفقْرُ أو الدّينِ بيْنهم وبيْن حبيباتِهم. وهذا أيضاً ما يجعلُ الطُّغَاةَ الحقيقيّين يتعرّفونَ على أَنفسِهم في نُصُوصٍ تَتَحدَّثُ عن طُغَاةٍ من صُنْع الخيالِ فيُسارعونَ إلى مصَادرتِهَا. وهذا معناه أنّ التّخييلَ السّرديَّ ” يُوحي إِليْنَا بِأنَّ الرُّؤْية التِي نُكَوِّنهَا عن العالم الواقعيِّ قد تَكُون هِي الأُخرى نَاقِصةً، تمامًا كنُقْصَان الرُّؤْيةِ التِي تمْلكهَا شخْصيَّاتُ التَّخْييل عن العالم الذِي تَتَحرَّك فيه. ولِهذَا السَّبب، يكْثُرُ أنْ تُصْبِح الشَّخْصيَّاتُ التَّخْييليَّةُ الكُبرى نَماذِجَ لِلشَّرْطِ الإنْسانيِّ “الواقعيِّ”[20]. فالكثيرُ من شخصيّاتِ التّخييلِ أصبَحتْ جزءاً من نظامنا الأخلاقيِّ بالسّلبِ والإيجابِ، فالعفّةُ عند يوسف والصبرُ عند أيوب، والحكمة عند سليمان والفطنةُ والذّكاءُ عند جحا.
المحتويات
-مقدمة
-الفصل الأوّل : السرديّاتُ وما بعدَها
-الفصل الثّاني : السّردُ التخييليّ والحدثُ التاريخيّ
-الفصل الثّالث : المحكيّ وتشخيصُ التّجربة الزّمنيّةِ
-الفصل الرّابع : الشّرطُ السّرديّ للإنسانِ
-الفصل الخامس : المحكيّاتُ الجديدة أو سرديّاتُ التّضْليلِ
[1] -قولة لـ ميلان كانديرا وردت في : Dominique Fernandez : L’art de raconter, éd Grasset,2006, p.13
[2] – كان كلود ليفي شتراوس يعتبر: “الأسطورة أداةً منطقيةً الغاية منها هي التوسّطُ بين الحياةِ والموتِ”، انظر: Paul Ricœur : Du texte a l’action, éd Seuil, 1986, p. 173
[3] -انظر ما يقوله أوسكار وايلد، ” فالحياة عنده هي التي تُحاكي الفن”.
[4] – Jérôme Bruner : Pourquoi nous racontons nous des histoires ? éd retz, 2002, p. 16
[5] – Jérôme Bruner : op cit, p.82.
[6] -Jean Piaget : La psychologie de l’enfant, éd que sais-je, 1966,p.42
[7] – أوجين سو Eugène Sue روائي فرنسي من القرن التاسع عشر.
[8] -أومبيرتو إيكو: تأملات في السرد الروائي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2015، ص 189
[9] – Varga, A Kibedi: Discours, Récit , Image, éd Mardaga éditeur, Bruxelles,1985, p. 66
[10] – Albert Thibaudet : Réflexions sur le roman,1938, éd électronique
[11] – انظر: Paul Ricœur : Du texte a l’action, op, cit, p.19
[12] – الدازاين Dasein شرط الإنسان في المعنى، أي وعي الكينونة لذاتها كما يمكن أن تتحقق في الشرط الإنساني.
[13] -سعيد بنكراد: الهويّة السرديّة، المحكيُّ بين التّخييل والتّاريخ، المركز الثقافي للكتاب، بيروت 2022، ص 24
[14] – Paul Ricœur : Du texte a l’action op, cit, p.171
[15] -سعيد بنكراد: التأويل وتجربة المعنى، المركز الثقافي للكتاب، بيروت 2023، ص17
[16] – Varga, A Kibedi, op cit, p.66
[17] – أومبيرتو إيكو: اعترافات روائيٍّ ناشئ، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي للكتاب، ص 132
[18] – Jérôme Bruner : op cit, p.47
[19] – Varga, A Kibedi: Discours, Récit , Image, op cit, p.72
[20] – أومبيرتو إيكو: اعترافات روائيٍّ ناشئ ، ص153.














